كل الفخر.. رغم كل الأكاذيب

بقلم أحمد عبد الرؤوف

أحمد عبد الرؤوف – صحفي مصري

كنتُ وما زلتُ وسأظل في حالة فريدة متجددة من الفخر كلما تأملتُ ما جرى ظهيرة يوم 6 أكتوبر قبل 47 عاما.
دهشتي تصل إلى حد الذهول وفخري يذهب إلى عنان السماء، حين أعرف أن صمت القبور كان يخيم على الضفة الشرقية من القناة يوم 5 أكتوبر، ثم فجأة وبعد أن انطلق المارد المصري معانقا بدمه تراب أرضه السليبة، أصبح لنا فوق سيناء الحبيبة 80 ألف رجل في ساعات معدودة.
تلمع عيناي اعتزازا وأنا أتخيل خط الجبهة بطول نحو 160 كيلومترا، تقسمه قناة السويس إلى ضفتين، وقد تراصت بامتداده قرابة 2000 قطعة مدفعية تمطر بنيرانها العدو الغاصب للأرض وتحمي رؤوس الرجال وهم يعبرون قناة السويس بشتى الوسائل، ويحفرون طريق الحق بالنار والدم.
أهتز من داخلي زهوا، وأنا أرسم مشهد الضربة الجوية الساحقة بنحو 220 طائرة مقاتلة فقط، وبخسائر محدودة، إيذانا بمولد سلاح الجو المصري من جديد، بعدما دمره العدو الإسرائيلي بالكامل عام 1967.
تتملكني العزة والنشوة كلما سمعت من رجالنا الأبطال “أولاد الفلاحين” كيف كانوا يقبلون على الموت بكل جسارة، بينما كان عدوهم يعيش لحظات الرعب مختبئا خلف تحصيناته ودروعه.
إحساسي كان في قمة الفخر حين رأيت مراسلا غربيا أمام جدارية على مشارف القدس المحتلة وفوقها حفرت أسماء آلاف مؤلفة من القتلى الإسرائيليين في مختلف حروبهم، وتأتي اللحظة الأهم حين يشرح المراسل أن الجزء الأكبر في الجدارية هو لأسماء قتلاهم في معارك الدبابات في سيناء.
كان هذا هو السبب المباشر الذي أجبر إسرائيل على تصميم دبابة جديدة أكثر تحصينا أطلقت عليها “الميركافا”، بعدما وجدت أن بضعة مقاتلين مصريين دمروا لها مئات الدبابات، ببسالة دونتها صفحات خالدة في التاريخ العسكري.
تملؤني حقائق الحرب وتفاصيلها بمشاعر فياضة يصعب وصفها في بضع كلمات أو سطور، وكلي يقين بأن هذا الإحساس ذاته يأسر ملايين المصريين، الذين لن ينال منهم ولن يزحزحهم أو يحبطهم هذا المهزوم المغتاظ، ولا ذاك الحاقد المغرض.
تزداد بداخلي دوما ثقة صلبة في نصر عظيم حققه رجالنا البواسل في ميدان القتال دفاعا عن الوطن وعن شرفه وعن ترابه، يحدث هذا حين أرى أمامي حقيقة ماثلة لا تقبل الشك، وهي أن مصر فتحت قناة السويس من جديد أمام الملاحة الدولية عام 1975، أي قبل ثلاثة أعوام من مفاوضات السلام.. أليس هذا دليلا على تحرير كامل الضفة الشرقية من القناة وحتى قبل الذهاب إلى أي مفاوضات ؟
سيقولون لنا إن ثغرة الدفرسوار غيرت مجريات المعارك وحولت الهزيمة إلى نصر، وإن القوات الإسرائيلية أصبحت على يُعد 100 كيلو متر من القاهرة – مع العلم أنها وهي تحتل سيناء كانت على مسافة 100 كيلومتر من القاهرة – وسوف ينسجون قصصا عن جواسيس لهم بيننا، وسيزعمون أنهم انتصروا في تلك الحرب.
هم لن يتوقفوا عن هذه الدعايات المكذوبة كلما حانت ذكرى أكتوبر، محاولين طمس صور أسراهم أذلاء يلطخهم عار الهزيمة وإخفاء انكسارهم في أول حرب حقيقية يخوضونها منذ اغتصابهم أرض فلسطين.
في كل عام سيختلقون قصة جديدة قد يداروا بها خيبتهم، عسى أن يغسلوا عقول أجيالهم الجديدة، التي قد تلاقي من يحكي لها عن بكاء وعويل آبائهم وأجدادهم وهم يتركون أرضا أمسكوا بها غصبا واحتلالا، وهم الذين لا يتركون أرضا احتلوها إلا إذا رأوا “العين الحمرا” وذاقوا مرارة الحرب والقتل والأسر.
إن هذا الجيش الجبار المنظم والرجال الأشداء الشجعان الذين شقوا عباب النار ودمروا كل الحواجز وقفزوا فوق الموت وأقبلوا طوعا إلى حيث العدو، تحولوا إلى مصدر فزع وإلى جحيم ترتعد منه فرائص المحتل، وبقيت بطولاته كأسا ستظل إسرائيل تتجرع مرارته ودرسا لن تنسى قسوته.
لولا هذه الحقيقة ما وجد المغتصب نفسه مغصوبا على التراجع والانكماش ثم الانسحاب، وإلا لكان عليه أن يواجه جولات جديدة من القتال لن تقل شراسة عن سابقاتها، إذا أراد أن يمضي طويلا في طريق الحرب.
سنظل نتباهى بأعظم وأمجد أيام تاريخنا، وسنعلم أبناءنا وأحفادنا أن يفاخروا بها وأن يعملوا بجد ويثابروا بإخلاص حتى تكون عزة بلادنا مصدر إلهام لهم في شتى دروب الحياة، ولن نلتفت كثيرا للأكاذيب مهما حبكها صانعوها ومهما جمّلها المروجون لها.

اترك تعليقًا

Please log in using one of these methods to post your comment:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s