البحث عن زوجة.. بقلم د/مصطفى محمود

من كتــاب “المسيخ الدجال”

يا سادة يا كرام ..
أغلى شيء في الدنيا هو العلم.
والإنسان لا يتعلم مجانًا.
وإنما يستخلص المعرفة بالألم والمعاناة.

من مكتبة الحياة نأخذ علمنا الحقيقي، وليس من الكتب والأسفار.

وأقدم لكم نفسي أولًا.. دكتور توفيق زكي.. دكتوراه في الذرة والعلوم النووية من أمريكا، أب لولدين وزوج للمرة الثانية.

وحكاية المرة الثانية هي الموضوع..

وكالعادة كانت هناك مرة ثانية لأن الزواج الأول فشل بجدارة.
وكانت فكرتي في الزواج الأول هي البحث عن ست بيت وأم وامرأة تقدّس الحياة الأسرية، لا يهم الثقافة ولا التعليم ولا الشهادات، واخترتها ساقطة ابتدائية تكاد تفك الخط، لكن طباخة ممتازة وأستاذة في تسبيك الصواني والطواجن، وتنفيض السجاجيد وإرضاع الأطفال.

لكن كالمعتاد وبعد الشهور الأولى وبعد أن شبعت المعدة وامتلأت الأمعاء، وأصبحت المسألة الطريفة حكاية مكررة كل ليلة، بدأ النكد يدخل إلى البيت السعيد، وبدأت أشعر بالفجوة الهائلة بيني وبينها، وبدأنا نختلف كل يوم في كل شيء.. وأصبح الشارع يسمع صراخنا كل ليلة.

وبرغم نومنا متعانقين في فراش واحد، كنت أشعر بأن بيننا قارات، وأن كل واحد فينا يسبح في محيط.

لم يكن هناك أي شيء مشترك يجمعنا سوى طاجن البطاطس بالفرن، وصواني المحشي وأطباق الكوسة بالباشاميل، فإذا غسلت يدي بعد الغداء عدت إلى الوحدة والغربة، وكأني مجرد نزيل في فندق أجنبي.

عجزت تمامًا عن أن أشدّها إلى أي اهتمام مشترك، حتى لو إلى الصحيفة اليومية وأعمدة الأخبار وحوادث الأسبوع.

كانت إنسانة عقلها مُغلق على ثلاث غرف وصالة، لا يهمها ما يجري في فيتنام وكمبوديا ونيكاراجوا، ولا يعنيها ما يجري في جارة عربية قريبة مثل فلسطين.

ويستوي عندها أن تحترق لبنان، أو تندك بغداد أو تنفجر دمشق أو يخرج الشاه من إيران، ويحكمها خوميني أو خلقلي أو بازرجان ما دامت قد وجدت البصل في الجمعية التعاونية، والأرز عند البقال، والجرجير عند الخضري.

فإذا حاولت أن أفتح معها هذه الموضوعات أسكتتني بغلظة، فإذا حاولت أن أتلطف ناولتني لكمة وهي تقول:
نام بلا وجع دماغ أنا ما صدقت نيمت الواد!

وتصوروا ما يحدث لي يا سادة في هذه الوحدة والغربة والخواء حينما أتعرف بالأخرى د. شهيرة سرور الأستاذة في الكونسرفتوار وعازفة البيانو، والحائزة على ماجستير ودكتوراه في التوزيع الكورالي وفي الهارموني من باريس.

السيدة الناعمة الحريرية التي تكاد تذوب في الفم من فرط نعومتها، والمتحدثة الرقيقة الودودة والفنانة الأنثى والنجمة التي لا ينطفئ لها تألق.

ويمكن لكم أن تتصوروا كيف أصبحت مكالماتنا في التليفون تمتد إلى خمس وست ساعات ولا نشبع، فنلتقي على النيل ثم تأخذني إلى بيتها لتسمعني معزوفة رقيقة على البيانو، ثم تحكي لي تاريخ هذه المعزوفة وكيف ومتى كتبها بيتهوفن.

نسيت أن أقول لكم إنها طُلّقت بعد زواج فاشل.

وهذا طبيعي.. فمن يستطيع أن يفهم ويقدر هذه التحفة الجمالية النادرة؟ ومن يستطيع أن يُعاشر هذا الفن الرفيع إلا إنسان ذوّاقة؟

ولقد كنت أنا ذلك الذواقة.

ولقد جُننت بها حبًا، وامتلكتني حتى ملأت عليّ أقطار حياتي، وأصبحت لا أرى سواها، ولا آكل سواها، ولا أشرب سواها، ولا أتنفس سواها.

وكان طبيعيًا أن يرتمي كل منا في حضن الآخر؛ كأنه يتيم وجد أمه، وأن نغرق في حمى من الانصهار العذب الذي لا تجدونه إلا في الكتب والأشعار والسيمفونيات.

وكان طبيعيًا جدًا أن أطلق زوجتي وأتزوجها، وأنا أحلم بأقصى الراحة، وبأني قد وجدت أخيرًا شقة خالية في صدر امرأة.

ولكن القدر خلاف الظنون، والدنيا التي أرادها الله تعبًا للكل ما لبثت أن قدمت صورة أخرى من زواج طريف غاية الطرافة.

واسمعوا معي نموذجا من هذا الحوار الذي يجري بيننا.

الوقت صباحًا، وأنا أميل عليها وأمسح على شعرها في حنان وأهمس في أذنها:
– إيه رأيك يا حبيبتي نأكل إيه النهاردا.
– زي امبارح يا حبيبي.
– احنا مكلناش امبارح يا حبيبتي .
– لحقت تنسى سندوتشات الأمريكانا اللي جبتهالك معايا.
– نفسي تعملي لي الملوخية بتاعتك.. ده انتِ ملوخيتك تجنن.. أنا قربت أنساها بقالك شهر مطبختليش حاجة.

– مش حاسة إني عاوزة أقف في المطبخ.
– أمال حاسة بإيه ؟
– حاسة بإني عاوزة أدور حوالين الهرم وأسمع كاسيت لشوبان.

وأخذها معي إلى الهرم.
ونطوف حول مقابر الأسرة السادسة، ونحن نستمع إلى معزوفة القمر لشوبان، ونسرح في التاريخ والجغرافيا والحكيم أمحوتب.

وتكلمني طويلًا عن الحكيم أمحوتب.
وأقطع حديثها محاولًا أن أكون رقيقًا غاية الرقة.
– ولكن أظن أن أمحوتب يا حبيبتي كان يأكل.. وكانت زوجته الحبيبة تصنع له أشهى الأطعمة.
– لا أظن.. أنت تخلط يا حبيبي بين أمحوتب وبين أبو شقرا.. عيبك أنك لا تقرأ كفاية في التاريخ.

– لقد قرأت وقرأت حتى جعت من كثرة القراءة.
ونشتري كنتاكي في الطريق ونعود إلى البيت.

وتتمدد على الفراش وتسرح..
ثم تبتلع حبة فاليوم.. ثم حبة ليبريوم.. وأحاول أن أتقرب منها فتقول في فتور:
– سيبني شوية.
– مالك؟
– جوايا تعبا .. حاسة جوايا بكآبة وضلمة وعتمة، وليل الدنيا جوايا عتمة قوي.
– أنا يا حبيبتي أنورها لك.
فتنظر إليّ نظرة فارغة كأنها لا تعرفني إطلاقًا.
وكأني رجل لقيط التقت به صدفة، وأخذته إلى بيتها، وقدمت إليه طعامًا على سبيل الإحسان.. وأن عليه الآن أن يرحل، وأن يعود إلى حال سبيله دون كلمة.

وأقترب أكثر وأهمس في حنان:
– حبيبتي أنا جنبك.
– أنا عندي صداع يا توفيق أنا مش شايفاك، ولا شايفة حد.
وأهتف في أعماقي: يا نهار أسود عليك يا توفيق وعلى بختك.. ثم أعود فأتودد إليها.
– أجيب لك كولونيا تنعش..
– سيبني لوحدي.. نفسي أقعد سنين لوحدي، سنين.. سنين.. نفسي أحط الحمل اللي على كتفي وأنام.
– حطيه على كتفي أنا.
– جوايا كلام كتير مش عاوز يطلع.. كياني مسروق مني.. بدور على عنوان نفسي مش لاقياه.. متهيأ لي إني مشيت في الشارع الغلط.
– أنا مش فاهمك.
– أنا اخترتك من أربعين مليون إنسان عشان تصورت إنك حتفهمني وحتحس بي.
– حأحس بإيه يا حبيبتي ده، إنتِ معيشاني في ألغاز.. دنا بنام مع أينشتين.. أنا الدكتور في الذرة والعلوم النووية واللي مسكت الإلكترون مش قادر أمسك أفكارك!
– نفسي نبعد عن بعض شوية يا توفيق.
– نعم؟
– يعني كده تسافر لك كام يوم إسكندرية تغير جو عشان توحشني شوية.
– كمان.. أكثر من كده.. ده إحنا بقالنا شهرين مقربناش لبعض.
– كمان شهر.. ما يجراش حاجة.
– ده أنا بقالي خمسة أشهر بقولك إعملي لي كيكة تبصي لي كأني باتكلم مالطي أو هيروغليفي.

– ياه ده أنا نسيت خالص حكاية الكيكة دي.. عجيبة.. الله يضحكك يا شيخ.
– وكل ده وإحنا في شهور العسل أمال بعدين هنعمل ايه.. ده إنتِ بتكلمي البيانو أكثر مني.. بتعرفي عن فطور شوبان ومزاجه الشخصي أكثر من اللي بتعرفيه عني.

كل يوم برجع تعبان بعد يوم مرهق من الشغل المتواصل في العمل ألاقيكِ بتقوليلي عندي انغلاق ذاتي وتقلص نفسي وانكماش روحي.. أجي ألمسك تقوليلي سيبني شوية حاسة الشمس بتغرب جوايا.. عاوزة أموت.. أتلاشى.. ومرة تقوليلي سقف عقلي وقع، وأن جدران قلبي أتهدت.. وفيه حاجة بتسويني بالأرض، ومرة تقوليلي العصافير بتغني في صدري..
ومرة تقوليلي عاوزة كل الرجالة يبوسوني، وأشد شعري من الجنون فتقوليلي:
– ما هو كل الرجالة يعني إنت يا حبيبي.. من إمتى وأنا حبيبك؟ وإنتِ عايشة في فلك وأنا في فلك.. توصلني منك كلمة بالتلكس وتضيع ألف.. أنا وحيد يا شهيرة.. وحيد.
– وأنا وحيدة أكتر منك يا حبيبي.
– أمال احنا في حضن بعض إزاي.
– ساكنين بالصدفة سوا في نفس الشقة على النيل وبنبص احنا الاثنين للسقف.
– بالضبط هو ده الشيء الوحيد المشتركين فيه.. للدرجة دي ممكن يتغير الناس.. أمال فين الدموع والآهات.. فين أغاني الحب.. كانت معزوفة بيانو.. عمود شعر في صحيفة يومية اتقطعت مع الأيام وبقت ورق تواليت.. ساعات بحس إن مش بس لازم نبعد كام يوم.. أبدًا.. ده إحنا لازم نتعرف على بعض من جديد.. لازم نقابل بعض صدفة في الصالون الأخضر.. وأعزمك على شاي في جروبي واسألك على نمرة تيليفونك.. وأقوللك اسمك ايه يا مدام.
– صحيح فعلًا.
– احنا مش متجوزين يا حبيبتي.. احنا متطلقين جدًا.
– صحيح فعلًا متطلقين.

وهكذا طلقت الثقافة الرفيعة والدكتوراه والماجستير في الهارموني والتحفة الجمالية.. د. شهيرة سرور.. لأني لم أعرف ماذا تريد ولا ماذا تحب؟ ولا ماذا يرضيها؟ ظننت في لحظة أن أقصى أملها أن تعيش معي.. فلما عاشت معي رأيتها تهرب مني وتعيش في غيبوبة الفاليوم.. وتنطوي على نفسها حتى تشبه قوقعة حزن.
وشككت في عقلي وتفكيري، وعدت أشد شعري من الوحدة والبؤس.

يا سادة يا كرام..

أنا أبحث الآن عن بائعة فجل أو بائعة جرجير.. مجرد إنسانة على الفطرة لأتزوجها وأعيش معها على الفطرة البسيطة التي خلقها الله.

امرأة تنظر إلى زوجها على أنه ربها وتغسل له رجليه وتطهو طعامه، وتشاركه مشاركة التوأم في كل ما يُشركها فيه دون جدل.

امرأة تنظر إلى كل ما ينطق به زوجها على أنه سماوي ومقدس، وتحبه لأنها لابد أن تحبه وليس لأن عندها انفتاحًا ذاتيًا وانغلاقًا استبطانيا، يا سادة يا كرام.. أنا أعلن على الملأ أني رجل رجعي وبدائي.. وأرى للأسف الشديد أن عصر الرجل انتهى!

اترك تعليقًا

Please log in using one of these methods to post your comment:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s